فخر الدين الرازي

481

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وتكونت بواسطة العقد ، وكان عقد النكاح في يد الولي ابتداء ، فكانت عقدة النكاح في يد الولي أيضا بواسطة كونها من نتائج العقد ومن آثاره . وأما الحجة الثالثة : وهي قوله : إن المراد من الآية الذي بيده عقدة النكاح لنفسه فجوابه : أن هذا التقييد لا يقتضيه اللفظ لأنه إذا قيل : فلان في يده الأمر والنهي والرفع والخفض فلا يراد به أن الذي في يده الأمر نفسه ونهي نفسه بل المراد أن في يده أمر غيره ونهى غيره فكذا هاهنا . المسألة الثانية : للشافعي أن يتمسك بهذه الآية في بيان أنه لا يجوز النكاح إلا بالولي ، وذلك لأن جمهور المفسرين أجمعوا على أن المراد من قوله : أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ إما الزوج ، وإما الولي ، وبطل حمله على الزوج لما بينا أن الزوج لا قدرة له البتة على عقدة النكاح ، فوجب حمله على الولي . إذا ثبت هذا فنقول : قوله : بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ هذا يفيد الحصر لأنه إذا قيل : بيده الأمر والنهي معناه أنه بيده لا بيد غيره ، قال تعالى : لَكُمْ دِينُكُمْ * [ الكافرون : 6 ] أي لا لغيركم ، فكذا هاهنا بيد الولي عقدة النكاح لا بيد غيره ، وإذا كان كذلك فوجب أن يكون بيد المرأة عقدة النكاح وذلك هو المطلوب واللّه أعلم . قوله تعالى : وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى فيه مسائل : المسألة الأولى : هذا خطاب للرجال والنساء جميعا إلا أن الغلبة للذكور إذا اجتمعوا مع الإناث ، وسبب التغليب أن الذكورة أصل والتأنيث فرع في اللفظ وفي المعنى أما في اللفظ فلأنك تقول : قائم . ثم تريد التأنيث فتقول : قائمة . فاللفظ الدال على المذكر هو الأصل ، والدال على المؤنث فرع عليه ، وأما في المعنى فلأن الكمال للذكور والنقصان للإناث ، فلهذا السبب متى اجتمع التذكير والتأنيث كان جانب التذكير مغلبا . المسألة الثانية : موضع ( أن ) رفع بالابتداء ، والتقدير : والعفو أقرب للتقوى ، واللام بمعنى إلى . المسألة الثالثة : معنى الآية : عفو بعضكم عن بعض أقرب إلى حصول معنى التقوى وإنما / كان الأمر كذلك لوجهين الأول : أن من سمح بترك حقه فهو محسن ، ومن كان محسنا فقد استحق الثواب ، ومن استحق الثواب نفى بذلك الثواب ما هو دونه من العقاب وأزاله والثاني : أن هذه الصنع يدعوه إلى ترك الظلم الذي هو التقوى في الحقيقة ، لأن من سمح بحقه وهو له معرض تقربا إلى ربه كان أبعد من أن يظلم غيره يأخذ ما ليس له بحق ، ثم قال تعالى : وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ وليس المراد منه النهي عن النسيان لأن ذلك ليس في الوسع بل المراد منه الترك ، فقال تعالى : ولا تتركوا الفضل والإفضال فيما بينكم ، وذلك لأن الرجل إذا تزوج بالمرأة فقد تعلق قلبها به ، فإذا طلقها قبل المسيس صار ذلك سببا لتأذيها منه ، وأيضا إذا كلف الرجل أن يبذل لها مهرا من غير أن انتفع بها البتة صار ذلك سببا لتأذيه منها ، فندب تعالى كل واحد منهما إلى فعل يزيل ذلك التأذى عن قلب الآخر ، فندب الزوج إلى أن يطيب قلبها بأن يسلم المهر إليها بالكلية ، وندب المرأة إلى ترك المهر بالكلية ، ثم إنه تعالى ختم الآية بما يجرى مجرى التهديد على العادة المعلومة ، فقال : إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ .